هەلو حسن سعيد
بحلول مطلع عام 2026، دخلت السياسة العالمية مرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين، والتنافس الاقتصادي، وتسارع تغيّر التحالفات الدولية. ومن أبرز ملامح هذا المشهد المتحوّل تنامي الزخم الدبلوماسي الصيني، ولا سيما في وقت بدأ فيه حلفاء تقليديون للولايات المتحدة بإعادة تقييم مواقعهم الاستراتيجية في ظل عودة السياسات الحمائية من واشنطن.
وقد شكّل شهر يناير 2026 مثالًا واضحًا على هذا التحول، إذ شهدت بكين موجة لافتة من الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى من دول ارتبطت طويلًا بالولايات المتحدة، من بينها كوريا الجنوبية، وإيرلندا، وكندا، وفنلندا، والمملكة المتحدة. ولم يكن هذا الحراك الدبلوماسي محض صدفة، بل جاء نتيجة شعور متزايد بالقلق لدى شركاء واشنطن عقب عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإحياء شعار «أمريكا أولًا»، خاصة مع التهديد المتجدد بفرض رسوم جمركية حتى على الحلفاء المقربين.
الأثر العكسي للضغط على الصين
توقّع كثير من المراقبين في البداية أن تؤدي الولاية الثانية لترامب إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الصين. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت نتيجة معاكسة تمامًا. فبدل العزلة، شهدت بكين عودة واضحة لما يمكن تسميته بـ«التحوّل نحو الصين» من قبل عدد من الاقتصادات الباحثة عن الاستقرار، والوصول إلى الأسواق، والوضوح الاستراتيجي.
وقد وثّق تقرير لوكالة رويترز نُشر في 28 يناير 2026 هذا التحول تحت عنوان:
.«بعد عام على رئاسة ترامب… التحول نحو الصين يكتسب زخمًا»
وأشار التقرير إلى أن اتباع واشنطن لسياسات تجارية أحادية دفع العديد من الدول إلى تسريع جهودها لتنويع شراكاتها الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة.
ونتيجة لذلك، لم تكتفِ الصين بتعزيز علاقاتها مع كبار شركائها التجاريين، بل سجّلت أيضًا فائضًا تجاريًا قياسيًا، ما عزّز مكانتها كركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي.
الاستمرارية كميزة دبلوماسية للصين
يعود جانب مهم من نجاح الدبلوماسية الصينية إلى عامل الثبات والاستمرارية. فعلى عكس السياسات الغربية التي غالبًا ما تتأثر بالدورات الانتخابية والاستقطاب السياسي الداخلي، حافظت الصين على أولويات دبلوماسية طويلة الأمد، لا سيما في تعاملها مع دول الجنوب العالمي.
ويتجلى هذا النهج بوضوح في التقليد السنوي لوزير الخارجية الصيني باختيار أفريقيا كأول محطة في زياراته الخارجية، وهو تقليد يحمل رمزية سياسية عميقة. فمثل هذه الخطوات تعزّز الثقة، وتؤكد الاستمرارية، وتعمّق التعاون بين دول الجنوب.
ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع الشراكات التجارية، وتقديم التمويل التنموي، رسّخت الصين علاقاتها الاقتصادية مع الاقتصادات الناشئة. وقد لعبت هذه العلاقات دورًا مهمًا في دعم تحقيق هدف النمو الاقتصادي البالغ 5% خلال العام السابق، رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
الصين كمرتكز في عالم مضطرب
في نظام دولي يزداد تشرذمًا بفعل الحروب، والعقوبات، وتصاعد النزعات القومية الاقتصادية، تواصل الصين تقديم نفسها بوصفها عنصر استقرار للنمو العالمي. وبالنسبة للعديد من الدول، لم يعد الانخراط مع بكين مسألة أيديولوجية، بل خيارًا براغماتيًا تفرضه المصالح.
فالوصول إلى السوق الصينية، والمشاركة في سلاسل الإمداد العالمية، والتعاون ضمن الأطر متعددة الأطراف، باتت عناصر أساسية في التخطيط الاقتصادي الوطني، خاصة لدى الدول الساعية إلى تقليل تأثير الاضطرابات الجيوسياسية.
نظرة إلى المستقبل
تكشف تطورات مطلع عام 2026 عن حقيقة أوسع: لم تعد موازين القوة العالمية تُحدَّد أساسًا من خلال التحالفات العسكرية، بل عبر المرونة الاقتصادية، والاستقرار الدبلوماسي، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
إن اتساع الحضور الدبلوماسي الصيني لا يعني بالضرورة التوجّه نحو المواجهة، بل يعكس قدرة على التكيّف وملء الفراغات السياسية والاقتصادية التي خلّفها عدم اليقين في أماكن أخرى. ومع استمرار تحوّل النظام الدولي، يبدو أن دور بكين كمحرّك أساسي للنشاط الاقتصادي العالمي لا يتراجع، بل يزداد ترسّخًا.وبالنسبة للمحللين والصحفيين وصنّاع القرار، فإن متابعة المسار الاقتصادي والدبلوماسي للصين لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة لفهم اتجاه النظام العالمي الناشئ.